ابن عطية الأندلسي
346
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قام وضعته بين يديه فقال : من أين هذا ؟ فقالت من الدقيق الذي سقت ، فعلم إبراهيم أن اللّه تعالى يسر لهم ذلك ، وقال الربيع وغيره في هذه القصص : ان النمرود لما قال : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أحضر رجلين فقتل أحدهما وأرسل الآخر وقال : قد أحييت هذا وأمتّ هذا ، فلما رد عليه بأمر الشمس بهت ، والرواية الأخرى ذكر السدي : أنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ، فكلمه وقال له : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت ، قال نمرود : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ، أنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون ، حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا ، وتركت اثنين فماتا ، فعارضه إبراهيم بالشمس فبهت . وذكر الأصوليون في هذه الآية : أن إبراهيم عليه السلام وصف ربه تعالى بما هو صفة له من الإحياء والإماتة ، لكنه أمر له حقيقة ومجاز ، قصد إبراهيم عليه السلام الحقيقة ، ففزع نمرود إلى المجاز وموه به على قومه ، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل ، وانتقل معه من المثال ، وجاءه بأمر لا مجاز فيه ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ، ولم يمكنه أن يقول : أنا الآتي بها من المشرق ، لأن ذوي الأسنان يكذبونه . وقوله حَاجَّ وزنه « فاعل » من الحجة أي جاذبه إياها والضمير في رَبِّهِ يحتمل أن يعود على إبراهيم عليه السلام ، ويحتمل أن يعود على الَّذِي حَاجَّ ، و أَنْ مفعول من أجله والضمير في آتاهُ للنمرود ، وهذا قول جمهور المفسرين ، وقال المهدوي : يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم أن آتاه ملك النبوءة ، وهذا تحامل من التأويل ، وقرأ جمهور القراء أن أحيي بطرح الألف التي بعد النون من أَنَا إذا وصلوا في كل القرآن غير نافع ، فإن ورشا وابن أبي أويس وقالون رأوا إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن ، مثل أنا أحيي أنا أخوك إلا في قوله تعالى : إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ * [ الأعراف : 188 ] [ الشعراء : 115 ] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القراء وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة ، قال أبو علي : ضمير المتكلم الاسم فيه الهمزة والنون ثم إن الألف تلحق في الوقف كما تلحق الهاء أحيانا في الوقف فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت الهاء فكذلك الألف ، وهي مثل ألف حيهلا . قال القاضي أبو محمد : وهذا مثال الألف التي تلحق في القوافي ، فتأمل . قال أبو علي : فإذا اتصلت الكلمة بشيء سقطت الألف ، لأن الشيء الذي تتصل به الكلمة يقوم مقام الألف ، وقد جاءت الألف مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك قول الشاعر : أنا شيخ العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما وقرأ الجمهور : « فبهت » الذي بضم الباء وكسر الهاء ، يقال بهت الرجل : إذا انقطع وقامت عليه الحجة . قال ابن سيده : ويقال في هذا المعنى : « بهت » بفتح الباء وكسر الهاء ، « وبهت » بفتح الباء وضم الهاء . قال الطبري : وحكي عن بعض العرب في هذا المعنى ، « بهت » بفتح الباء والهاء . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : هكذا ضبطت اللفظة في نسخة ابن ملول دون تقييد بفتح الباء والهاء ، قال ابن جني : قرأ أبو حيوة : « فبهت » بفتح الباء وضم الهاء هي لغة في بهت بكسر الهاء ، قال : وقرأ ابن السميفع : « فبهت » بفتح الباء والهاء على معنى فبهت إبراهيم الذي كفر ، فالذي في موضع